|
فيدان عفرين
ببدء العهد الأبوي وما بعد فقد حفل
تاريخ الإنسانية بالصراعات والتناقضات وتكاثرات
الأضداد " كـ الظالم والمظلوم، الحاكم والمحكوم،
السيد والعبيد... الخ " بحيث يتصارع الطرفان كل
بحسب الهدف الذي يسعى لأجله. فأن الفئة الحاكمة
والمستبدة تسعى متخذة الأتجاه نحو الطرق الضبابية
والمظلمة والمفخخة الخادعة لتتمكن بذلك للسيطرة
والتحكم وممارسة الأضطهاد بحق طبيعة الإنسان الحرة
لتزيد من قوتها وفرض وجودها على الكون. ومن الجانب
الأخر فإن الشعوب المضطهدة تسعى للنضال والمقاومة
لأجل حقوقها الطبيعية التي نهبت منها عنوة متخذة
مسار النور والضياء لتضيئ الدروب المظلمة التي
صنعتها القوى الحاكمة وتوضح الحقائق التي أخفيت
وراء مكرها وخدائعها.
فالتاريخ يشهد على هذه الظاهرة
بشكل حي ويدلنا بشكل واضح من هم مرجحوا الظلام
والنور، ساعيوا النور هم دائماً أقرب للحقائق
لأنهم يملكون صفة توحدهم مع الطبيعة ولهذا رؤيتهم
للحقائق تكون أكثر موضوعية بالنسبة للذين يسعون
للظلام وطبعا ًهذه ليست مصادفة بل هي نتيجة نضال
مرير للإنسانية العطشة لإنسانيتها الجوهرية التي
دائماً وأبداً تنبث عاصية لروحها المقبورة في
الظلمات.
وفي ولوجنا في ثنايا التاريخ سنرى
الأمثلة الكثيرة والتي لا تحصى على ذلك، ومن هنا
أريد أن ألقي النظرة على ظهور الفيلسوف والنبي
زردشت. بحيث كان المجتمع في تلك الحقبة يعاني من
ظلم وتعجرف النظام الدولتي الذي أبعد المجتمع عن
قيمه المعنوية ونشر فيه الفساد ليتوجه بذلك نحو
الأغتراب عن الطبيعة التي ولد منها، إلا أن النبي
زردشت أنار بأفكاره وفلسفته المجتمع، وعمل على
توعية المجتمع بمدى أهمية وقدسية الطبيعة وعناصرها
" الهواء، النار، التراب، الماء" بالنسبة للأحياء
والتي لا يمكن بدونها الحياة بحيث جدد أواصر الصلة
بين الطبيعة والإنسان ليزدهر ويتقدم المجتمع ويصبح
قوة ليواجه ويقف ضد مستغليه.
أن النبي زردشت الذي أضفى على
النار " النور" صفة القداسة والمقاومة ما زالت حتى
يومنا الراهن تحمل هذه الصفة. بحيث لم تنطفئ مشاعل
الحرية رغم كل العراقيل المزروعة وما يزال معبد
زرادشت يتحلى بنوره الذي لم ينطفئ، ولا زالت
النيران ترقص رقصتها السحرية، والتي تجدد ذاتها في
كل مقاومة لأجل الحرية كمقاومات كاوا الحداد
ومظلوم المعاصر لتنهار الرجعية أمام عظمة هذه
الشخصيات. إلا إن السياسات الأستعمارية مستمرة في
خلق الصراعات القومية والطبقية والجنسية فيما بين
الشعوب لتتقاتل، هذه النعرات التي وكما نرى فإنها
تودي بمستقبل الكون والبشرية وتوجه المجتمع نحو
الهاوية بحيث أن الكثير من الأثنيات والثقافات
والقوميات تواجه هلاك الأنقراض. ومن هذه الأثنيات
والقوميات هو الشعب الكردي الذي كان ومازال يعاني
من سياسة الإبادة والإنكار التي تمارس بحقه من قبل
الدول التي يعيش فيها في الإجزاء الأربعة من
كردستان، كالدولة السورية والإيرانية والعراقية
والتركية التي تعمل كل ما بوسعها لتحقيق سياساتها.
إلا أن الشعب الكردي أبدى
المقاومات العظيمة أمام هذه السياسات ولم يقبل
بالعبودية أبداً، حارب وناضل في سبيل حريته بكل
جسارة، وهو الآن في ذروة المقاومة لأجل حريته
بقيادة الحركة الأبوجية التي قادها القائد أبو
بأفكاره وتحليلاته التي شكلت أساساً متيناً في
بناء التنظيم الشعبي في جميع مدن كردستان على أساس
نظام المجتمع الأكولوجي الديمقراطي الحر. والذي
أدى إلى أنضمام جميع فئات المجتمع " شباب، نساء،
أطفال، مسن " لهذا النظام بحيث تعمل كل من هذه
الفئات لأجل تحقيق الحرية لهذا المجتمع، وإن نضال
المرأة في هذه الحركة يأخذ مكانه في الطليعة، بحيث
أعطى القائد أبو الأهمية الكبرى لحرية المرأة وعمل
الكثير لأجل تحقيق إيديولوجية المرأة في المجتمع،
لأنه كان يعي جيداً بأن حرية المجتمع تتحقق من
خلال حرية المرأة. من هذا المنطلق فأن المرأة
تناضل على جميع المستويات لأجل تنوير المجتمع
وتحقيق مستوى وعي حر في المرأة، وهي مع شعبها قد
شاركت بشكل كثيف في جميع الأنتفاضات وأبدت أسمى
أيات المقاومة سواء في السجون أو ضمن الكريلا أو
في الساحات السياسية والأجتماعية.
فالمرأة الكردية قاسمت ألام شعبها
وسارت بكل كيانها على خطى الأبطال العظماء كمظلوم،
كمال، خيري، وعملت على إعلاء نيران أنتفاضتهم
النوروزية ولكي لا تنطفى شعلة الحرية قامت العديد
من بطلاتنا بجعل أجسادهن نور تسير عليه جميع
النساء ليعبرن عن الإرادة الفولاذية ويمنحن الشعب
الثقة والسير نحو الحرية بعزم، أمثال سما،
بيريفان، روناهي، ذكية ألكان،رهشان، والألاف من
البطلات مثلهن اللاتي لم يترددن ولو للحظة للتضحية
في سبيل تحقيق جسور الحرية للمرأة.
فإن مقولة القائد:" بأن الحركة التي لا تضم المرأة
في صفوفها لا يمكن لها تحقيق النصر " تثبت لنا هذه
الحقيقة ويؤكد لنا نصر النساء هذا بأنه حقاً لا
يوجد نصر من دون نصر النساء، وأن مقاومة الشهيدة
ذكية آلكان التي كانت جواب للقائد وتجسيداً
للحرية. ففي مرحلة الأنتفاضة كانت المرأة على
مستوى عال من التنظيم بحيث كانت الرائدة الطليعية
في الأنتفاضة، ومنه فأن الشهيدة ذكية في ذلك الوقت
كانت تقوم بالعديد من المهام الحزبية في الكثير من
مجالات الحياة، بحيث كانت تعي جيداً الوضع المنحط
الذي تعيشه المرأة في المجتمع من خلال مؤسسة
العائلة، التي كانت المرأة فيها مستسلمة للعبودية،
ولهذا قامت على رفض هذه الحقيقة والنضال لأجل
تغيير هذه الحقيقة التي تعيشها المرأة، وأكدت بأن
المرأة الكردية صاحبة إرادة قادرة على تحطيم هذه
الحقيقة ولن تستسلم للعبودية التي يفرضها النظام
عليها. على هذا الأساس أضرمت الشهيدة ذكية جسدها
بنيران الحرية لتصبح كشعلة على أسوار أمد، لتدل
على أن نور الحرية لن ينطفئ أبداً لتدخل بذلك
الرعب في قلوب الأعداء وتجعلهم يهابون من المرأة
الكردية والشعب الكردي. وخلقت الأمل والجسارة في
الشعب الكردي ليناضل لأجل حريته ويدافع عن حقوقه
في الحرية، ليعي بأن الحرية تحتاج للبدائل الكبيرة
لتحيقيها كما أعطت البطلات العظيمات كذكية
ورفيقاتها رهشان، روناهي وبيريفان وكما يقول
القائد:" بأنه لو كان نيل الحرية سهل لما أضرمت كل
من روناهي وبيريفان النار بجسديهما". لأن الحرية
تحتاج للسعي وراءها مهما كان الثمن لأنها الشعور
الوحيد الذي يشعر به الإنسان بإنسانيته ووجوده في
هذه الحياة.
|