بسة شمال
ترجمة: دستينا
لماذا تنتحر
النساء؟ لما هذا التمرد؟، لما كل هذه الكراهية؟.
في كل يوم نسمع أنباء انتحار النساء أو محاولة قتل
أنفسهن.
للأسف الشديد
يبقى المجتمع صامتاً بلا حراك مقابل هذه
التراجيدية بدون رد فعل، وكأنه يراقب هذه الحوادث
بدون عواطف. أهل يطغى على المجتمع قاضبة نفسية
الإنتحار؟، أم يفكرون بأن النساء يستحقن
الإنتحار!. أيتوجب علينا أن نفهم عدم رد فعل
المجتمع بهذا الشكل؟، أم يولي المجتمع الأحقية
لحالات انتحار النساء؟ أم يفكرن بأن النساء
مستحقات للإنتحار؟.
الحقيقة هي إن
العشرات من النساء يومياً يرحلن من بيننا دون
النظر إلى خلفهن وينهين حياتهن بسبل فظيعة.
ماذا يعني أن
تحرق المرأة نفسها حية، أو تقتل نفسها بالسم،
الاعدام؟، ما هي القوة التي تدفع بالنساء لأختيار
سبيل الانتحار؟. ما منبع هذه الكراهية أحد من
النار؟، أهل تحرق المرأة نفسها إن كانت ألامها أخف
من حدة النار؟.
إنتحار النساء
دليل على مأزق اجتماعي، إن كنتم تريدون قراءة
المجتمع فانظروا إلى أوجه النساء اللواتي حاولن
الانتحار. سترون هذه الحقائق بشكل جلي. هذا الوجه
هو مرآة المجتمع. هذا الوجه يرسم لنا التراجيديات
الاجتماعية. وجه ٌمكتنفٌ بالألم والتمرد والحقد
واللاحل والتعب واليأس والضعف. ولكن في الواقع هذا
الوجه هو عنوان القوة والتمرد، يتوارى لنا في
تجاعيد هذه الأوجه رفض دنيا لا تملك فيها المرأة
نفسها. في هذا الوجه يوجد إعلان بأن هذه الدنيا
غيرعائدة لها.
بعد حدوث خلل
في توازن الدنيا لصالح الرجل. لم تعد تعتبر المرأة
نفسها جزءاً من هذ ه الدنيا. عاشت لسنوات وقرون
طوال وكأنها غريبة عن هذا الكون. تعرفت على نفسها
كخادمة في هذه الدنيا، تخدم بلا كلل أو ملل. لم
تخدم أبداً لتلقى أجرة مقابل جهودها، أصبحت عبدة
أجيرة لهذا العالم. فهمت واقعها ووجودها بهذا
الشكل. بذلت جهود بدون حساب ومنفعة. اقتنعت بأن
الله خلق الرجل كجنس متفوق. صدّقت هذه الكذبة
الكبرى. رأت نفسها كجنس في القاع، وأعتقدت بأن
التفاوت الجنسي واللامساواة بين الأجناس قانون
ٌطبيعي في الحياة.
بنى الرجل حياة
المرأة بالأكاذيب التي اصطنعها بنفسه، أنشأ عالمه
الذكوري بإستغلال جهود النساء، أنشأ هذا العالم
بجهود النساء ولكن بدون نساء.
لتزايد حالات
انتحار النساء علاقة وثيقة مع هذه الحقيقة، لم تعد
تحتمل المرأة تجذر هذا النظام الغير عادل والبعيد
عن المساواة بجهودها، لم تعد تحتمل المرأة دنيا
تُنكر جهودها.
لا تستطيعن
تحويل عدم تحملهن لهذا النظام إلى قوة نضالية لذا
ينتحرن، بموتها تهيل العنة على الحياة. تأسس
المجتمع الجنسوي لصالح النظام الرجولي، وعلى أساس
تعالي جنس الرجل. ومع هبوب عاصفة الإرهاب، كل هذه
النقاط حضت بالنساء لأختيار سبيل الانتحار.
والعائلة هي المؤسسة التي تعيش هذه الحقيقة
الاجتماعية بشكل فظيع. حيث تمارس العائلة على
المرأة عنف متصلب ومتحجر، مع مرور الزمن حيث يتجلى
أمامنا حقيقة لا مفر منها وهي العنف الممارس على
المرأة من قبل مؤسسة العائلة المتعرضة للتشتت، ما
هي إلا خدعة ليقنع أصحاب هذه المؤسسة أنفسهم بأنهم
ما زالوا يتحلون بالقوة.
بتعرض الرجل
للتحقير من قبل النظام الرجولي، فيجد تحقير وفرض
الإهانات على المرأة السيبل الوحيد لتجاوز ما فرض
عليه من قبل النظام. لهذا الممارسات تأثيرٌ كبير
على نفسية المرأة، تبدع معها نفسيات متعددة، تشعرُ
المرأة بأنها ضعيفة خائرة القوة وعديمة القيمة،
وكائنة لا معنى ولا قيمة لوجودها، وتقيس قيمتها
بالقيمة المقدمة لها من قبل المجتمع والرجل، كل
هذه النفسيات تعيق التقاء المرأة بنفسها.
تعليم النساء
أمرٌ في غاية الأهمية. فالمرأة المتعلمة تدرك
تاريخها الماضي، وتولي المعنى الحقيقي لما تعيشه
المرأة في يومنا الراهن. تدرك المرأة المتعلمة في
ذهنيتها وروحها ما تعرضت له من استغلال على مدى
ألاف السنين. المرأة المتعلمة تبتدع ذرائع وجودها،
تبدي إرادة ونضال كبيرين في سبيل إعادة انشاء دنيا
متعرضة للإنحراف وسرقت المرأة من ذاتها.
وتصبح المرأة
قوة منتصرة وغير راضخة للموت. المرأة المتعلمة هي
التي تحلل المشاكل الاجتماعية في العائلة ضمن
النظام الرجولي، وتبحث في سبيل ايجاد الحلول لهذه
المشاكل، وتطور وسائل نضالها. وتعتبر كردستان من
أكثر الساحات التي تتفاوت فيها حالات انتحار
بأعداد هائلة. بالطبع لهذه المنطقة خصائص خاصة
بها، ولكن من جانب آخر سياسات الدولة الخاصة تخنق
المرأة ضمن المشاكل الإجتماعية. القيم الإقطاعية
منتشرة في كردستان، المرأة تعتبر شرف العائلة
والعشيرة. لا يمكننا أن ننتظر موقف ديمقراطي من
مجتمع ينفي وجود المرأة، يحقرها ويستغل جهودها. من
مجتمع أقتبس من المرأة حقها في أن تكون إنسانة.
المرأة في
كردستان هي شرف وكرامة النظام الرجولي في حين لا
وجود للكرامة والشرف. أيمكن أن تصبح المرأة شرف
عبيد متعرض ٍعلى الدوام للتحقير من قبل النظام؟!.
التفاوت الجنسي
يعني انحرافٌ أخلاقي. النظر إلى المرأة ككائنة
ناقصة، وتحويلها إلى مجرد ألة لاشباع غرائز
الرجال، وفرض الحاكمية عليها، أي التفرقة بين
الأجناس هو انحراف أخلاقي.
تتعرض المرأة
وبشكل منتظم للعنف بشتى أشكالها من قبل العائلة،
ويعتبر الرجل ضرب النساء حق يتمتعُ به. هذه
القوانين تكسب المشروعية للممارسات الغير إنسانية
الفظيعة الممارسة بحق المرأة، فحقوق الأبوة والزوج
والأخوة ما هي إلا تأييد لممارسة العنف بحق
المرأة.
حقوق الدولة هي
الحقوق التي تكسب الرسمية والمشروعية للتفرقة
الجنسية، هي حقوق تتيح المجال للرجل لتجذير نظامه
الارهابي، وعندما يتوحد هذا الوضع مع عاصفة
الإرهاب المطبق على كردستان تظهر أمامنا منظر
مفجع.
قضية الكرد
المتروكة بلا حل تزيد من تعمق الشدة ومشروعيتها،
سياسات الإمحاء والانكار تعيق سير السياسات
الديمقراطية. الشدة تولد الشدة، والمرأة تبقى عرضة
للعنف الممارس من قبل الدولة، وتنحصر بين العنف
المحرض من قبل الأب والزوج والأخ فتفقد حياتها.
تتحول ارهابية الدولة ضمن العائلة إلى إرهابية
الرجل. في الواقع تعيش المرأة ضمن عالمٍ إرهابي،
ولا ترى نفسها ملكاً لهذه الدنيا، فتختار
الانتحار.
إننا نراقب،
نشاهد، نسمع ونتكلم. العنف.. العنف.. العنف،
كوكبنا أسمه العنف، هويته عنف، شخصيته عنف.
وكردستان هي حجم مصغر لهذا الواقع، والمرأة حجم
مصغر لكردستان.
كل يوم نشاهد
في الاعلام، أب أو أخ أو زوج طعن فتاة في وسط
الشارع، تم قتل أمرأة أخرى باطلاق النار.(غ ) هربت
مخبئة نفسها في صندوق جهاز عرسها، فتقتل فاقدة
ٌحياتها رشياًً بالرصاص. وكذلك الألاف من هذه
الأمثلة المشابهة .
العشرات من
النساء يقُتلن على يد العائلة وتزخرف قتلهن بإسم
الانتحار، أين الشرف من كل هذه الممارسات، إن لم
تكن عديمة الكرامة فما هي؟، الذهنية الذكورية هي
التي تحض بالنساء لاختيار سبيل الانتحار!. الدعارة
هي شكل من أشكال الانتحار، لا تنتحر ولا تنخلط
المرأة في مستنقع الدعارة بدون أسباب. الرجل
والنظام هما اللذان يحضان بالمرأة الى الانتحار.
لتحرق المرأة نفسها وتقدم لها النار، ولكي تُعدم
نفسها يقدم لها الحبل، لتقتل نفسها بجرع السم.
يتوجب إنزال
اللعنة على فاعلي هذه الممارسات، واللعنة الكبرى
هي العيش عناداً ورغماًعن النظام وحاكمية الرجل،
والنضال ضدها. نحرق من يحرقنا بالنار الذي يقدمه
لنا لنحرق أنفسنا. في الواقع الأنوثة صعبة في
كردستان والعالم. بالطبع ألامهن كبيرة وبدائلهن
عظيمة، ولكن هذا الكون - هذا الوطن هو مكان لعيش
النساء أيضاً، وإعادة ما سرق منا وإبداع ما تم
زواله.
مهما تصبح
الدنيا عائدة لنا عندها ستنبعث الانسانية، والعالم
الجنسوي، وقتل الانسانية ومزق المجتمع، وجزء
الانسان كما تم تجزئة الذرة من جديد. بإمكان
المرأة المتحررة فقط خلاص هذه الدنيا الذي أكل
عليها الدهر ومّر. علينا بالجلوس والتفكير إن أصبح
الموت أجذب من الحياة. أهل الموت أبسط من
الحياة؟!. يبدأ الموت في المكان الذي يزول فيه
المعنى، في المكان الذي انتهى فيه المعنى،
وبالتالي يعني انتهاء الحياة وحلول الموت.
مهما تم ممارسة
نضال تحرر المرأة في نطاق كردستان، ومهما أبدينا
نضال بغرض تقوية وحدة النساء في نطاق واحد، إلا أن
تعميم هذا النضال وتمركزها مازال ضغيفاً وناقصاً.
لم يتم تحويل هذا التراكم والوعي، والإرادة
المشتركة، والصوت المشترك بالتواحد مع الحركات
الفامينية الى قوة نضالية وعملياتية.
في المؤتمر
الثاني لتجمع النساء الساميات KJBتم
النقاس وبشكل موسع بصدد هذه المشاكل، وعلى هذا
الأساس تم إعداد بعص المشاريع، ومن إحدى المشاريع
الأساسية هي مشروع إنشاء نوادي فنية للمرأة الحرة.
إن تم تطوير هذا المشروع، فبإمكان هذه النوادي أن
تتحول إلى حضن أو ملجاً تحتضن الكثيرات من النساء
المتعرضات للعنف، واللواتي يلذن بالحصول على
المساعدة.عندئذ ستتحول النوادي الفنية للمرأة
الحرة إلى بيوت لتحرر المرأة. بهذا المعنى ستدرب
وتنظم المرأة نفسها، تنتج، وستحيي نفسها بجهودها.
ستصبح هذه البيوت أماكن تعيش فيها النساء بحرية.
يعتبر نشاط
التدريب من إحدى النشاطات الأساسية، فالتدريب هي
الساحة الأساسية التي تتيح المجال لتعالي مستوى
وعي النساء، لذا نهدف لتأسيس مراكز تدريبية في
شتى أرجاء كردستان وتحفيز النساء باللجوء إلى هذه
المراكز.
التدريب هو
السبيل الأساسي لتعرف المرأة على نفسها وقوتها
وضعفها. وعلى النظام الأبوي، والمجتمع الجنسوي.
المرأة المتعلمة تنظم نفسها، وتناضل بشكل أقوى
وأصح. وتدرك قيمة ذاتها، وتدرك بأن لوجودها قيمة.
على المرأة ألا
تنتظر الحب والإحترام من الرجل، المرأة تبتدع الحب
والاحترام بقوتها وإرادتها الذاتية. إن تمكنت من
خلق إرادتها وقوتها العملياتية ستتمكن عندئذ من
إعادة حقوقها المأخوذة منها عبر التاريخ.
بالطبع... يمكن تحقيق ذلك عبر نشاطات تدريبية،
وتنويرية ونشاطات تنظيمية وعملياتية قوية. إننا
نعيش كـ(KJB)
مرحلة استعداد لتكريس المشاريع التي نهدف إليها،
علينا أن نستعد لذلك بكل ما نملك من قوة. بإمكان
الألاف من النساء الانتحار، ولكن بالانتحار لا
يمكن اجتياز هذا النظام. كما لا يمكن تغيير
الحقيقة. تبنى الحياة الحرة بالعيش والنضال.
سنتمكن من
انشاء هذا النظام المتشتت من جديد، ونبتدع ظروف
الحياة الحرة. على المرأة تحويل روح التمرد الأحد
من النار إلى قوة منظمة وحياتية وعملياتية.